أحمد بن علي القلقشندي

208

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وتوافقا ، وسلكا طريق الرّفق وترافقا ، وصدّق الخصم خصمه فتصادقا ، وانفصلا وكلّ منهما قد أرضى خدنه ( 1 ) ، وعن المحاكمة والمحاققة أغضى جفنه . آخر : أيّد اللَّه سعد المولى وأبّده ، وأثّل مجده ومجّده ، وأعانه على إسداء العوارف ( 2 ) وعضّده ، وأمدّه من المسرّات بما يزيل عن الأيّام أبده ( 3 ) ، وأناله سعدا لا تبلغ الأنام أمده ، ولا زال برد جدّه من السعادة جديدا ، ونجم عدوّه آفلا ونجمه سعيدا . الذي نحيط به علمه الكريم أنّ كتابه ورد فسرّى همّ الأنفس وسرّها ، وضاعف بما ضاع من نشره بشرها ، وفاح منه شذا عند إقباله ، فقيل : قد هبّت القبول ، ورنّح الأولياء ، فقيل : قد هبّت ريح الشّمال وأديرت الرّاح الشّمول ( 4 ) وأنّ المملوك وقف منه على ألفاظ سقته كؤوس سرور لا كؤوس مدام ، وروت له أخبار حلم لو أسندت إلى سواه لتوهّمت أضغاث أحلام ، وروّت أكبادا أضرّ بها لغيبته حرّ ظمأ وأوام ( 5 ) ، وبيّنت سحر البيان ، وأعربت بلسان حسنها عمّا لمنشيها بل موشّيها من الإحسان ، وأغربت في الفصاحة فخلنا كلّ كلمة تنطق عن سحبان بلسان ، وزهت بيانع ثمار فضلها فنزّهت كلّ عين في بستان ، وعلم إشارة المولى في معنى فلان ، وما أبداه من العناية في حقّه ، والإيثار لصلة رزقه ، وأنه من الإلزام ( 6 ) ، والذين تجب معاملتهم بالإكرام والاحترام التام ، وعند ما شاهد

--> ( 1 ) الخدن ، بكسر الخاء : الصديق ، والجمع أخدان ، ومنه قوله تعالى : ولا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ . سورة النساء 4 ، الآية 25 . ومختار الصحاح ( خدن ) . ( 2 ) العوارف : جمع عارفة ، وهي المعروف ، كالعرف ، بالضم . القاموس المحيط . ( عرف ) . ( 3 ) أي : غضبه ، فهو مصدر أبد ، كفرح ، ومعناه : غضب . القاموس المحيط ( أبد ) وحاشية الطبعة الأميرية . ( 4 ) الراح الشمول : الخمر الَّتي تعرّضت للشمال فبردت . القاموس المحيط ( شمل ) . ( 5 ) الأوام ، بضم الهمزة وفتح الواو ، كغراب : العطش أو حرّه . القاموس المحيط ومختار الصحاح ( أوم ) . ( 6 ) يقال : لزمه لزما ولزاما ولزامة ، ولازمه لزاما وملازمة ، وهو لزمة : أي إذا لزم شيئا لا يفارقه . انظر ترتيب القاموس المحيط ( ج 4 ص 124 ) ومعجم متن اللغة ( ج 5 ص 173 ) .